الشيخ محمد رشيد رضا
386
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهم لا يسمعون كالمقلدين الجامدين ، ودون الذين قالوا سمعنا وعصينا من المستكبرين الجاحدين ، فكل أولئك من موتى القلوب والأرواح ، الذين هم أبعد عن الانتفاع من موتى الجسوم والأبدان وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ أي وموتى القلوب الذين لا يسمعون هذا السماع ، يخرجهم اللّه تعالى من قبورهم ويرسلهم إلى موقف الحساب ، ثم ترجعهم الملائكة اليه فينالون ما استحقوه من الجزاء . فأصل البعث في اللغة إثارة الشيء وتوجيهه كما قال الراغب ، يقال بعثت البعير أي أثرته من مبركه وسيرته إلى المرعى ونحوه . ويرجعون مبني للمفعول من الرجع ، ورجع جاء لازما ومتعديا ، يقال رجع فلان رجوعا ، أي انصرف . ورجعته رجعا ، ومنه ( قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً ) وأرجعته لغة هذيل . فالظاهر مما تقدم ان المراد بالموتى هنا الكفار الراسخون في الكفر ، المطبوع على قلوبهم ، الميؤوس من سماعهم سماع فهم واعتبار ، تتبعه الاستجابة لداعي الايمان . أي والذين لا ترجى استجابتهم لأنهم كالموتى لا يسمعون السماع النافع يترك أمرهم إلى اللّه فهو يبعثهم بعد موتهم ، ثم يرجعون اليه فيجازيهم على كفرهم وأعمالهم ، ولا يضرك أيها الرسول كفرهم ، وليس في استطاعتك هدايتهم ، فالواجب عليك ان تفوض إلى اللّه أمرهم . وقيل إن لفظ الموتى على حقيقته وان الكلام تمثيل وتعريض بالايماء إلى عدم قدرة الرسول على هدايتهم كما أنه لا يقدر على إحياء الموتى . وهو بعيد وفيه ما لا يخفى من التكلف * * * وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أي وقال أولئك الظالمون لأنفسهم ، الذين يجحدون بآيات ربهم ، ويعاندون رسوله إليهم : هلا أنزل عليه - أي الرسول - آية من ربه ، من الآيات المخالفة لسننه تعالى في خلقه ، مما اقترحنا عليه ، وجعلناه شرطا لإيماننا به ، وقيل إن مرادهم آية ملجئة إلى الايمان ، والالجاء اضطرار لا اختيار ، فلا وجه اليه الطلب ، ولا يعتد به ان حصل ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أي قل أيها الرسول ان اللّه تعالى